القاضي عبد الجبار الهمذاني
327
شرح الأصول الخمسة
وبطل أيضا قول البكرية . وفسد أيضا قول المجبرة ، حيث قالت : إن الاعتبار في حسن الآلام وقبحها لحال الفاعل فإن كان الفاعل هو اللّه تعالى حسن وإلا لم يحسن ، لما ذكرناه من أن الألم إنما يحسن لهذه الوجوه التي ذكرناها ويقبح لتعريه عن هذه الوجوه ، فلا يختلف الحال في ذلك بحسب اختلاف الفاعلين . ونعود بعد هذه الجملة فنقول : إنما يفعله اللّه تعالى من الآلام لا يخلو ، إما أن يوصله إلى المكلف أو إلى غير المكلف ، فإن أوصله إلى غير المكلف فلا بد من أن يكون في مقابلته من الأعواض ما يوفى عليه ، وأن يكون فيه اعتبار المكلفين ، ليخرج بالأول عن كونه ظلما ، وبالثاني عن كونه عبثا ، فإن أوصله إلى المكلف فلا بد فيه من الأمرين جميعا : العوض والاعتبار ، إلا أن الاعتبار هاهنا إما أن يكون اعتبارا له فقط ، أو لغيره ، أو له ولغيره جميعا ، وإن استبعد قاضي القضاة أن يكون اعتبارا لغيره ، ولا يكون اعتبارا له مع أنه أخص به . وهذا وجه له ولمكانه يحسن من اللّه تعالى الإيلام ، وقد يحسن لوجه آخر وهو الاستحقاق على ما نقوله في العقاب ، فأما إذا خرج عن هذين الوجهين فلا ، حتى أنه لا يحسن من اللّه تعالى لدفع الضرر ، لأن اللّه تعالى قادر على أن يدفع ذلك الضرر من دون هذا الألم ، فالإيلام والحال هذه يكون عبثا لا فائدة فيه . إلا أن هذه الطريقة يمكن سلوكها في النفع ، فيقال : إنه تعالى قادر على إيصال هذا القدر من النفع إليه فلا معنى للإيلام لكي يوصله إليه ، ومتى قلنا : إن مع النفع اعتبارا كان له أن يجنب بمثله ، فالأولى أن نقول : إن ذلك الضرر إما أن يكون مصلحة أو مفسدة ، فإن كان مصلحة فلا سبيل إلى دفعه بل يجب فعله ، وإن كان مفسدة فلا سبيل إلى فعله لقبحه ، فكيف يحسن من اللّه تعالى الإيلام لئلا يفعل قبيحا . هذا إذا كان كل واحد من الضررين من جهة اللّه تعالى . فأما إذا كان الضرر المدفوع من جهة غير اللّه تعالى فلا يخلو ، إما أن يكون من جهة المكلف أو من جهة غير المكلف ، فإن كان من جهة المكلف فلا يخلو إما أن يكون مصلحة أو مفسدة ، فإن كان مصلحة فلا سبيل إلى دفعه ، وإن كان مفسدة فالواجب أن يدفعه اللّه تعالى بالنهي والوعيد ، فأما أن يؤلمه ليندفع به عنه ذلك الضرر فلا ، وهكذا إذا كان من جهة غير المكلف ، فإنه إما أن يكون مصلحة فلا سبيل إلى